هدي النبي ﷺ في تلاوة القرآن الكريم
المُقدِّمَة
من النعم العظيمة التي أنعم الله بها علينا إنزال القرآن الكريم قال سبحانه: “قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّه نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَن اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” المائدة (16).
فهو كتاب رباني احتوى على البيان والنور اللذان تحصل بهما الهداية لمن أراد سلوك الطريق الموصلة إلى الله سبحانه وتعالى، أنزله الله جل وعلا على النبي محمد ﷺ بواسطة جبريل عليه السلام، ولقد اعتنى به نبينا ﷺ عنايةً عظيمةً، امتثالاً لأمر الله عزوجل.
وهدي نبينا ﷺ في التعامل مع كتاب الله منارٌ لكل مسلم في التأسي به حيث أنه الأسوة والقدوة الحسنة الذي أمرنا الله باتباعه كما قال تعالى: ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا” الأحزاب (21).
أخي الكريم نضع بين يديك إصدار (هدي النبي محمد ﷺ في تلاوة القرآن الكريم) ضمن مبادرة تعظيم والتي تقدمها إدارة التطوير والتدريب والجودة في جمعية مكنون، راسمة ذلك ضمن أولوياتها في تحقيق رؤية الجمعية ورسالتها.
سائلين الله النفع والسداد في خدمة كتابه العزيز
هدي النبي ﷺ في تلاوة القرآن الكريم
لقد أمر الله رسوله ﷺ بتلاوة القرآن وترتيله في بداية النبوة وفي أول زمن البعثة وفي أوائل ما نزل من القرآن الكريم، فأول ما نزل من الآيات “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ “ العلق (1). وجاء الأمر في سورة المزمل وهي من أوائل ما نزل من القرآن بترتيل القرآن وتلاوته
قال تعالى: ” يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا “ المزمل (1-3).
وهنا بيان لهديه ﷺ في تلاوة القرآن الكريم:
- المداومة على تلاوة القرآن الكريم: فكان ﷺ له حزبٌ يقرؤه ولا يُخِلُّ به، وكان يكثر من تلاوته في الصلاة، خصوصا صلاة قيام الليل وربما قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة واحدة، وقال ابن القيم رحمه الله: “كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا وَمُتَوَضّئًا وَمُحْدِثًا وَلَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُ مِنْ قِرَاءَتِه ِإلّا الْجَنَابَةُ “. زاد المعاد في هدي خير العباد (33)
- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: في أول قراءته فيقول: “أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ”. قال تعالى: ” فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ” النحل (98)
- ترتيل القرآن الكريم وتحسين الصوت به: قال تعالى: “وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ” المزمل (4).
- الوقوف على رؤوس الآيات: فكان ﷺ يقطع قراءته آيةً آية فيقف على رؤوس الآي.
- المد عند حروف المد: عن قتادة بن دعامة رضي الله عنه قال سألتُ أنسَ بنَ مالِكٍ رضي الله عنه عن قِراءةِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: كانَ يمدُّ صوتَهُ مدًّا. صحيح ابن ماجه (1120)
- سماع القرآن الكريم من غيره: عن عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ –رضي الله عنه-: قالَ لي النبيُّ ﷺ: اقْرَأْ عَلَيَّ قُلتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: فإنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمعهُ مِن غيرِي فَقَرَأْتُ عليه سُورَةَ النِّسَاءِ، حتَّى بَلَغْتُ: {فَكيفَ إذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بشَهِيدٍ وجِئْنَا بكَ علَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} قالَ: أمْسِكْ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. رواهُ البخاري (4582). وربما مر بالقارئ يتلو القرآن فيقف يستمع إلى تلاوته، عن أبي مُوسى الأشعريُّ رضي الله عنه : استَمَع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قراءتي مِن اللَّيلِ فلمَّا أصبَحْتُ قال : ( يا أبا موسى استمَعْتُ قراءتَكَ اللَّيلةَ لقد أُوتِيتَ مِزمارًا مِن مَزاميرِ آلِ داودَ ) قُلْتُ : يا رسولَ اللهِ لو علِمْتُ مكانَك لَحبَّرْتُ لك تحبيرًا . صحيح ابن حبان (7197 )
- إعجاب النبي ﷺ بالصوت الحسن: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: – دخَلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المسجِدَ فسمِعَ قراءةَ رَجُلٍ، فقال: مَن هذا؟ قيلَ: عَبدُ اللهِ بنُ قَيسٍ رضي الله عنه. فقال: لقد أُوتيَ هذا مِن مَزاميرِ آلِ داودَ. أخرجه النسائي (1019)، وابن ماجه (1341)، وأحمد (9806)
- مدارسة القرآن الكريم مع جبريل في رمضان من كل عام: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ” كانَ رَسولُ اللَّهِ e أجود النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ “. البخاري (3220 ).
- السجود عند آيات السجدة الواردة في القرآن الكريم: كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ في سُجودِ القرآنِ باللَّيلِ : “سَجدَ وَجهي للَّذي خلقَهُ وصوَّرَهُ وشقَّ سمعَهُ وبصرَهُ بِحَولِهِ وقوَّتِهِ “. أخرجه أبو داود (1414)
- التسبيح والسؤال والتعوذ عند الآيات المتضمنة لذلك: عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال:كان ﷺ إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح وإذا مرّ بسؤال سأل وإذا مرّ بتعوذ تعوّذ. صحيح مسلم (772)
- تدبر القرآن وفهم معانه: كان له صلى الله عليه وسلم حِزب يقرؤه ولا يُخِلُّ به وكانت قراءته ترتيلاً لا هذَّا ولا عجلة، ولقد وصفت السيدة أم سلمة رضي الله عنها، قراءة رسول الله ﷺ بأنها: (قراءةً مُفسَّرةً حرفًا حرفًا). ابن حجر العسقلاني ، مشكاة المصابيح ، ( 2/397 ).
- التوقف عن القراءة عند النعاس: فكان إذا نعس كف عن القراءة: فقد روى أحمد ومسلم وغيرهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال “: إذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم القرآن الكريم على لسانه، فلم يدر ما يقول، فليضطجع. -يعني يذهب وينام، حتى لا يخلط القرآن بغيره –” سنن أبي داود (1311).