أنت والقرآن في رمضان

المقدمة

     قد شرع الله لنا طاعات، وعظم أعمالاً، وأماكن، وأزماناً، وهذا التعظيم اختياراً منه سبحانه لما شاء ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾ [القصص: 68].

   وإن ما من قلب مؤمن موحد يعرف قدر الله جل وعلا إلا ويتعرض لنفحات الله ورحماته. ويسأل ربه التوفيق فيها. وإن من خصائص الصالحين أنهم إذا أصبحوا سألوا الله عز وجل التوفيق وإذا أمسوا استغفروا ربهم خوفاً وفزعاً من التقصير وعرفان بأنهم عاجزون عن عبادة ربهم جل وعلا عبادة كاملة.

   وقد جعل الله جل وعلا لرمضان ميزة ليست لغيره ففيه أنزل الله خير كتابه على خير خلقه صلى الله عليه و سلم:﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185].

   وقد شهد شهر رمضان نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]. ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِى لَيْلَةٍۢ مُّبَٰرَكَةٍ﴾ [الدُّخان: 3]، قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة [ الحاكم والبيهقي]، وقال ابن جرير: نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم أنزل إلى محمد صلى الله عليه و سلم على ما أراد الله إنزاله إليه.

هدي النبي في مدارسة القرآن في رمضان

عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة [ البخاري 6 مسلم 2308 ].

   قال الإمام ابن رجب: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له، و فيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان، وفي حديث فاطمة رضي الله عنها عن أبيها ﷺ أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه[1] القرآن كل عام مرة و أنه عارضه في عام وفاته مرتـــين [ البخاري 3624 و مسلم 2450 ] [ لطائف المعارف 315 ].

قال رحمه الله: و في حديث ابن عباس أن المدارسة بينه و بين جبريل كانت ليلا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا فإن الليل تنقطع فيه الشواغل و يجتمع فيه الهم، و يتواطأ فيه القلب و اللسان على التدبر كما قال تعـالى: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـًٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾ [المُزَّمل: 6]. [ لطائف المعارف 315 ]

[1] (العرضة من العرض، والمقصود بها: مدارسة جبريل القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم كل عام في رمضان. )

صور من تعظيم السلف للقرآن في رمضان

قد كان للسلف رحمهم الله اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان بل لم يكونوا يشتغلون فيه بغيره.

كان الزهري إذا دخل رمضان يقول: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام.

قال ابن الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث و مجالسة أهل العلم.

قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.

وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه. [ بتصرف، لطائف المعارف 171 ]

معينات للحفاظ في مدارسة القرآن في رمضان

  1. إخلاص النية لله تعالى؛ فيجب على المسلم إخلاص النية قبل البدء في حفظ القرآن الكريم.
  2. التهيئة قبل رمضان بالحرص على التلاوة الصحيحة للقرآن عن طريق السماع ؛ حتى يصحح المسلم من النطق، وهذا يساعد كثيراً في الحفظ بالتجويد، ومن مميزاته أيضاً أنه يثبت الحفظ.
  3. تحديد النصاب والمسارات، مسار الحفظ، ومسار التلاوة وتقسيمه على اليوم بحيث يختم الحافظ مجموع حفظه في رمضان مع ختمة التلاوة، وإن كان خاتماُ لحفظه فيختم ختمتان ختمة الحفظ وختمة التلاوة.
  4. الحفظ من نفس المصحف.
  5. فهم الآيات ومعانيها، ومعرفة وجوه ارتباطها ببعضها البعض، ويمكن ذلك بالاستعانة ببعض تفاسير القرآن كتفسير السعدي وغريب القرآن.

الخاتمة

  • سئل سماحة الإمام ابن باز – رحمه الله -: ما الأفضل في رمضان: قراءة القرآن أو مُراجعته أو حفظه؟

الجواب:

ينبغي لطالب العلم أن يجمع بين الأمرين: يقرأ القرآن، ويُكثر من التلاوة، ويكون للحفظ نصيبٌ من الوقت، وجزء من الوقت، ومُراجعة ما يُشكل عليه بتدبُّرٍ، مراجعة التفاسير، حتى يجمع بين المصالح، فلا يشغله مراجعة التفسير أو حفظ ما تيسر منه، لا يشغله عن التلاوة، ولا تشغله التلاوةُ ومراجعة ما قد يُشكل عليه؛ لأنه فرصة، هذا الشهر الكريم فرصة -بلَّغنا الله وإياكم صيامَه وقيامَه إيمانًا واحتسابًا- فرصة لقراءة القرآن؛ ولهذا كان السلفُ يقبلون على القراءة، ويدعون الدروس وحلقات العلم.

لكن من فوائد القراءة، ومن مصالح القراءة، ومما يُعين عليها: أن تُراجع ما قد يُشكل عليك عند قراءة الآية من كتب التفسير، حتى تجمع بين التلاوة والفهم والعلم، وإذا جعلت جزءًا من وقتك لحفظ ما تيسر من ذلك فهذا أمرٌ مطلوبٌ وحسنٌ؛ لأن الأوقات تُغتنم، وهذا وقتٌ عظيمٌ، فيه نشاطٌ، وفيه فراغ للتلاوة والحفظ جميعًا.  [ الموقع الرسمي لمساحة الشيخ الإمام بن باز ]

 

لتحميل الاصدار نسخة  pdf  (أنت والقرآن في رمضان)